الحياة مثل علبة شوكولاته، لا تستطيع أبداً أن تعرف ما الذي ستحصل عليه!

العرّاب (The Godfather).. عندما تجتمع الدراما مع المافيا

يُوجد عديدٌ من الكلاسيكيات التي تعلق بأذهان المُشاهدين، و”ثُلاثية العراب” أو المعروف بأسم “The Godfather” من بين أفضل الأعمال التي تُمثِّل الكلاسيكيات، ومرجع ذلك هو جودة الرواية الأساسية المُستمد منها العمل، ومحرر ذلك العمل هو “ماريو يوزو”، ومن بين عوامل نجاح العمل أيضًا الممثلون “مارلون براندو”، و”روبرت دي نيرو”، و”آل باتشيتنو”، وكذلك مهندس الديكور المتألق، وطاقم التصوير القدير، ولا ينبغي أن ننسى في زُمرة ذلك المخرج العالمي “فرانسيس فورد كوبولا”، والذي يُعَدُّ بمثابة العقل المُستنير الذي أدار جميع العناصر سالفة الذكر.

(قد يحتوي هذا الموضوع على حرق لبعض أحداث الفيلم)

“العراب” أو ” الأب الروحي” فيلم دراما جريمة صدر عام 1972، وهو الجزء الأول ضمن ثلاثية أفلام تحمل ذات الاسم، أنتج الثاني عام 1974 والثالث عام 1999، وثلاثية الأفلام مقتبس عن رواية بنفس الاسم للكاتب “ماريو بوزو” نُشرت عام 1969 وقد حققت نجاح أدبي واسع وقت نشرها، وقد تحولت فيما بعد لخماسية روائية، ثانيها نُشر عام 1984 ” The Sicilian”، ثم صدر الكتاب الثالث عام 2004 “The Godfather Returns”، ثم عام 2006 نشر الجزء الرابع ” The Godfather’s Revenge “، وأخرها نشر عام 2012 “The Family Corleone”.

كما يعد أجزاء الكتاب جزء من سلسلتين روائيتين واحدة تضم تقريبًا ذات الكتب وكتابين آخرين.

 

يسرد الجزء الأول والأكثر شهرة تفاصيل عائلة مافيا إيطالية تعيش في مدينة نيويورك، سلالة من الجريمة المنظمة المتورطة في أعمال إجرامية بالتوازي مع عرض شخصياتهم وتفاصيل حياتهم.

 

العراب من أنجح الأفلام في السينما الأمريكية، ومصنف في المركز الثاني كأعظم فيلم أمريكي من قبل معهد الفيلم الأمريكي وقد أُختير ليحفظ في السجل الوطني “National Film Registry” عام 1990، بالتأكيد يمتلك الفيلم الكثير من أسباب النجاح من تفاصيل فنية أدت ليصبح واحد من أكثر الأفلام تأثيرًا في السينما الأمريكية وأفلام العصابات.

 

الفيلم من إخراج فرانسيس فورد كوبولا، وقد شارك الكاتب في كتابة السيناريو، ومن بطولة “مارلون براندو” و “آل باتشينو” و “جيمس كان” ، “تاليا شير” و “جون كيزل”.

المافيا في صورة درامية مركزة

قبل العراب كانت أفلام العصابات تقع في قالبين، كلاهما ينتمى للأكشن الصِرف، أفلام تحمل طابع الجريمة السريعة، هروب فرد من العصابة بشيء خطير يلتقي بفتاة يقرر حمايتها ويقع في حبها، مطاردات تنتهى بمواجهة ثم النهاية، وما يظهر من المافيا والجريمة المنظمة في أفلام جيمس بوند حيث بطل وحيد يدمر المنظمة، وكلاهما أفلام لا تهتم بعرض جانب المافيا وعمق شخصياتها وتفاصيل تلك الحياة، بل تكتفي بصورة نمطية تكررت في الخمسينات والستينيات لرجال غليظي الملامح أو يمتلكون وسامة قاتمة ونظرة خبيثة مثيرة للاشمئزاز والكثير من الفتيات والأسلحة، إلا أن “فيلم العراب” قد قدم نوعية مختلفة من أفلام العصابات، ودمجها للمرة الأولى بشكل مركز مع الدراما.

 

الفصل الأول من الفيلم الذي يمكننا إطلاق عليه مرحلة التأسيس كان مكرس بالكامل لتقديم الشخصيات من خلال مشهد زفاف طويل “لكوني كورليوني ابن “فيتو كورليوني” كبير العائلة ورأس المنظمة، من خلال هذا المشهد نتعرف على أبنائه الثلاثة ومعاوينه وجنوده، عائلات المافيا الخمسة الأخرى، والكثير من الشخصيات التي تندرج تحت المافيا لكنها تقدم مدمجة بتفاصيل درامية مبهرة، وذلك الدمج الدرامي للجريمة وقصة المافيا يظل حاضر طوال الفيلم حتى النهاية، وهذا أحد أهم أسباب نجاح الفيلم، أنه يقدم لك عالم مختلف بصبغة درامية، والقالب الدرامي يملك سطوته على غالبية المشاهدين.

The Godfather

IMDb RATING : 9.2 – 1972

Marlon Brando, Al Pacino, James Caan

The Godfather 2

IMDb RATING : 9 – 1974

Al Pacino, Robert De Niro, Robert Duvall

The Godfather 3

IMDb RATING : 7.6 – 1990

Al Pacino, Diane Keaton, Andy Garcia

شخصيات أدبية من الرواية للشاشة

الشخصيات في فيلم العراب كانت أدبية في المقام الأول، كثيرة ومتشعبة وتمتلك دوافع وماضي، مبادئ ورغبات، وتركيبات معقدة لكل شخصية، وقبل كل تحول كان هناك سلسلة من التفاصيل الصغيرة التي تمهد لك هذا التحول وهو ما جعل الشخصيات حية وواقعية أكثر وهذا ما افتقرته أفلام العصابات، فشخصية الدون كورليوني مركبة تملك المبادئ والدموية ولديه هذا الفاصل الغير مرئي بينهم وهو ما جعل شخصيته مبهرة، ليس لديه صراع داخلي ومتساق تمامًا مع كونه صاحب مبادئ وزعيم مافيا، عكس شخصية مايكل البطل الرئيسي والابن الأصغر للعائلة الرافض لها لكن الأحداث تضطره لخوض هذا الطريق، البطل الذي يتحول مع الأحداث ويملك صراع داخليًا، والشخصيات الفرعية والتي تملك كل شخصية منهم قصته وشيئا لتتابعه معها.

التراجيديا في حداثة المافيا

لم يكتفي الفيلم بالدراما بل صور أيضا داخلها التراجيديا، قدم المأساة في حداثة قصة عن المافيا وتنتمي للجريمة والعنف والدموية، ورغم صعوبة تقديم التراجيديا في قصة تنتمى للعصابات إلا أن الفيلم قدمها بشكل حداثي وقتها، نتيجة خيانة وخدمات وتشابكات داخل عالم المافيا والذي نتجه عنه مأساة شخصية مايكل الممتلئة بالصراعات، وقدم مشهد ذورة التراجيديا في مشهد ذورة الفيلم ونهاية فصله الثالث بنهاية كارثية صادمة في مشهد الكنسية أثناء تعميد ابن شقيقته ورجاله وهم يتخلصون من أعدائه، وانتهاء رحلة البطل من جانب النور لجانب الظلام، وتحول شخصيته الفاصلة كشخصية أباه بين حياته العائلية ومبادئه وحياته الإجرامية.

وهذه التراجيديا وعرضها ضمن أحداث جريمة وفيلم مصنف كفيلم عصابات، كانت فريدة وتعد نقطة تطور هام في السينما.

اقتباسات الدون “فيتو كورليوني”

من التفاصيل التي ساهمت في نجاح وتأثير فيلم العراب هي كثرة الاقتباسات فيه التي جاءت على لسان الدون كورليوني، جمل فلسفية ودورس عن الحياة وحكم بدت في سياق قولها مبهرة عاكسة لمدى اختلاف جانبي شخصيته.

في حين كان يلقى درسًا عن واجبات الرجل نحو عائلته يأمر بقتل ما، على الرغم أن القتل لا يطل المدنيين، وكل حالات القتل والترهيب والعنف تقع داخل نطاق عالم المافيا إلا أنها كانت تلك الجمل في سياق ذلك كانت رنانة وذات صدى واسع.

فمن لم يشاهد الفيلم قد قرأ بعض تلك الاقتباسات، وتلك الاقتباسات تساهم بشدة في نجاح الأعمال الفنية وانتشارها من خلال ترديد المشاهدين لها.

تسلسل القصة والموسيقى التصويرية

الكثير من سلاسل الأفلام هي استنساخ لنجاح الجزء الأول منها، قصص مشابهة لقصة الجزء الأول بشخصيات مختلفة، إلا أن تسلسل القصة هنا هو ما أنتج الثلاثية، هناك جريمة ومافيا ودراما لكنه أيضا يعرض قصة تتابع عائلي، جريمة وخيانة وقصص عاطفية ومشاهد درامية وانتقام وتحول، قصة خلف قصة في سلسلة دقيقة مصنوعة بعناية أدبية، كل فيلم مستقل قائم بذاته لكنه مُكمل للآخر.

برزت بشدة الموسيقي التصويرية لفيلم العراب، والتي لحنها المُلحن الإيطالي الشهير نيتو روتا، مقطوعات فريدة بلا شك على مدار مشاهد واختلافها بين الجزء الأول والثاني، ستجذب انتباهك وتثير حواسك مع تنوعها بين موسيقي الجاز والموسيقي الكلاسيكية.

تعد مقطوعات فيلمي العراب أكثر المقطوعات الموسيقية شهرة في السينما الأمريكية، وغلى الرغم من أنه سُحب من ترشيح الأوسكار في الجزء الأول بس وجود جزء من موسيقي مقطوعة الحب كان قد ظهر مسبقًا في فليمًا إيطاليًا عام 1958 إلا أنه فاز بها عن الجزء الثاني بعد استبعاد المقطوعة المشابهة.

المشاهد الواقعية

أكملًا لسلسال الواقعية في فيلم ”The Godfather” حرص المخرج فرانسيس فورد كوبولا وجميع أفراد العمل على ظهور الصورة النهائية للفيلم أقرب ما يكون للواقعية.

فكان المخرج كوبولا يعقد جلسات بورفات ارتجالية لطاقم التمثيل الرئيسي، لتناول وجبة عشاء عائلية وهم يؤدون أدوار شخصياتهم في الفيلم، وخلال تناول الوجبة لم يكن مسموح لهم الخروج عن نمط الشخصية، ومن وجهة نظر كوبولا كانت هذه تدريبات مثالية لتأسيس أداء الممثلين على أدوارهم وتقوية الروابط بينهم.

كما أن أشهر مشاهد الفيلم الدموية وهو مشهد رأس الحصان المقطوع على طرف سرير جاك صاحب الأستوديو الذي رفض القيام بخدمة للدون كورليوني فأمر الأخر بقطع رأس حصانه المفضل ووضعها في فراشه، في البداية طلب الأستوديو من المخرج استخدام رأس حصان مزيف لكنه لم يعجبه الشكل النهائي، فطلب من فريق الإنتاج العثور على بديل حقيقي، وبعد البحث حصلوا على رأس حصان حقيقي كان على وشك الذبح لحساب شركة محلية لإطعام الكلاب، ولم يعرف الممثل ذلك إلا خلال المشهد ليحظى بردة فعل واقعية.

والأمر الأشهر هو استعانة الممثل مارلون براندو الذي قام بأداء شخصية دون كورليوني بطبيب أسنان صنع له حشوة من القطن، يضعها على جانبي فكه ودعامة يضعها بين أسنانه، بغرض إثقال حركة لسانه أثناء الحديث فيبدو مظهره أكبر سنًا وهو ما يتناسب مع طبيعة الدور والشخصية.

منقول من موقع آراجيك (Arageek)

شارك بتعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

كيف نستطيع خدمتك؟

يسعدنا الرد على استفساراتكم من خلال التعليقات أو الرسائل

تواصل معنا